[ لا يـــرد حـــديــــث مـــجـــاهد يــقــعـــده مــعـــه عـلـــى الـعــرش إلا جـهـمـــي مـبـتــــدع خـبـيـث مـتـهـــم عـلــــى الإســــــــلام ]
في كتاب السنة للخلال رقم: [247]
وَأَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ أَصْرَمَ الْمُزَنِيُّ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَقَالَ: «مَنْ رَدَّ هَذَا فَهُوَ مُتَّهَمٌ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَهُوَ عِنْدَنَا كَافِرٌ، وَزَعَمَ أَنَّ مَنَ قَالَ بِهَذَا فَهُوَ ثَنَوِيُّ، فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ وَالتَّابِعِينَ ثَنَوِيَّةٌ، وَمَنْ قَالَ بِهَذَا فَهُوَ زِنْدِيقٌ يُقْتَلُ».
243 - أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ وَاصِلٍ الْمُقْرِئُ، قَالَ: ثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} قَالَ: «يُقْعِدُهُ عَلَى الْعَرْشِ» فَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ وَاصِلٍ قَالَ: مَنْ رَدَّ حَدِيثَ مُجَاهِدٍ فَهُوَ جَهْمِيُّ.
246 - أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: ثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} قَالَ: «يُقْعِدُهُ مَعَهُ عَلَى الْعَرْشِ» قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: مَنْ رَدَّهُ فَقَدْ رَدَّ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَنْ كَذَّبَ بِفَضِيلَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ كَفَرَ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ.
251 - وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدُوسٍ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، وَبَعْضُهُمَا أَتَمُّ مِنْ بَعْضٍ، قَالَا: ثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمَرُّوذِيُّ، قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ حَمَّادٍ الْمُقْرِئُ: مَنْ ذُكِرَتْ عِنْدَهُ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ فَسَكَتَ فَهُوَ مُتَّهَمٌ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَكَيْفَ مَنْ طَعَنَ فِيهَا؟ وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الدَّقِيقِيُّ: مَنْ رَدَّهَا فَهُوَ عِنْدَنَا جَهْمِيُّ، وَحُكْمُ مَنْ رَدَّ هَذَا أَنْ يُتَّقَى، وَقَالَ عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ: لَا يَرُدُّ هَذَا إِلَّا مُتَّهَمٌ وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: الْإِيمَانُ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَالتَّسْلِيمُ لَهُ، وَقَالَ إِسْحَاقُ لِأَبِي عَلِيٍّ الْقُوهُسْتَانِيِّ: مَنْ رَدَّ هَذَا الْحَدِيثَ فَهُوَ جَهْمِيُّ وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ الْوَرَّاقُ لِلَّذِي رَدَّ فَضِيلَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقْعِدُهُ عَلَى الْعَرْشِ فَهُوَ مُتَّهَمٌ عَلَى الْإِسْلَامِ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ الْأَصْبَهَانِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ حَدَّثَ بِهِ الْعُلَمَاءُ مُنْذُ سِتِّينَ وَمِائَةِ سَنَةٍ، وَلَا يَرُدُّهُ إِلَّا أَهْلُ الْبِدَعِ قَالَ: وَسَأَلْتُ حَمْدَانَ بْنَ عَلِيٍّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: كَتَبْتُهُ مُنْذُ خَمْسِينَ سَنَةً وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا يَرُدُّهُ إِلَّا أَهْلُ الْبِدَعِ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ وَمَا يُنْكِرُ هَذَا إِلَّا أَهْلُ الْبِدَعِ، قَالَ هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ: هَذَا حَدِيثٌ يُسَخِّنُ اللَّهُ بِهِ أَعْيَنَ الزَّنَادِقَةِ قَالَ: وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ السُّلَمِيَّ يَقُولُ: مَنْ تَوَهَّمَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْتَوْجِبْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا قَالَ مُجَاهِدٌ فَهُوَ كَافِرٌ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْخَفَّافَ يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ مُصْعَبٍ يَعْنِي الْعَابِدَ يَقُولُ: نَعَمْ، يُقْعِدُهُ عَلَى الْعَرْشِ لِيَرَى الْخَلَائِقُ مَنْزِلَتَهُ.
253 - وَسَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ صَدَقَةَ، يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْجَبَلِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ هَارُونَ بْنَ مَعْرُوفٍ، يَقُولُ: «لَيْسَ يُنْكِرُ حَدِيثَ ابْنِ فُضَيْلٍ عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ إِلَّا الْجَهْمِيَّةُ».
254 - وَسَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ صَدَقَةَ، يَقُولُ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ يَوْمًا وَذَكَرَ حَدِيثَ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، فَجَعَلَ يَقُولُ: هَذَا حَدَّثَ بِهِ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمَجْلِسِ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ فَكَمْ تَرَى كَانَ فِي الْمَجْلِسِ، عِشْرِينَ أَلْفًا، فَتَرَى لَوْ أَنَّ إِنْسَانًا قَامَ إِلَى عُثْمَانَ، فَقَالَ لَا تُحَدِّثْ بِهَذَا الْحَدِيثِ، أَوْ أَظْهَرَ إِنْكَارَهُ، تَرَاهُ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ ثَمَّ إِلَّا وَقَدْ قُتِلَ، قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ صَدَقَةَ وَصَدَقَ، مَا حُكْمُهُ عِنْدِي إِلَّا الْقَتْلُ.
255 - وَسَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ صَدَقَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ شَبِيبٍ الْمُغَازِلِيَّ، قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ سَلْمٍ: أَخْرَجَ التَّفْسِيرَ الَّذِي سَمِعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ وَكِيعٍ بِطَرَسُوسَ، عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ فَإِنَّ فِيهِ حَدِيثَ أَنَّهُ فَضَلَ مِنَ الْعَرْشِ فَضْلَةٌ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ صَدَقَةَ يَعْنِي فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلِيفَةَ عَنْ عِمْرَانَ أَنَّ الْعَرْشَ يَئِطُّ بِهِ، قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ شَبِيبٍ: قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ سَلْمٍ: «تِلْكَ الْفَضْلَةُ مَجْلِسُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي يَجْلِسُ مَعَهُ».
أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَنَّ أَبَا الْحَارِثِ، حَدَّثَهُمْ أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ سُئِلَ عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ قَالَ: «مَا كَانَ أَحْسَنَ رَأْيِهِ».
259 - أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ قِيلَ لَه: لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ يُتَّهَمُ بِالْبِدْعَةِ؟ قَالَ: لَا.
260 - وَأَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ يُونُسَ، قَالَ: سَمِعْتُ فُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ يَقُولُ: «كَانَ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ أَعْلَمَ أَهْلِ الْكُوفَةِ بِالْمَنَاسِكِ».
261 - وَأَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قِيلَ لِإِبْرَاهِيمَ: إِنَّ لَيْثَ بْنَ أَبِي سُلَيْمٍ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ فَاكْتَرَى حِمَارًا، فَضَحِكَ إِبْرَاهِيمُ.
262 - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ الْقَنْطَرِيُّ، قَالَ: ثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، عَنْ شُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عِمْرَانَ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ: «صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ لِأَخْدُمَهُ، فَكَانَ هُوَ يَخْدُمُنِي».
263 - أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: ثَنَا مُهَنَّى، قَالَ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: «هُوَ مَكِّيٌّ، لَقِيَ عِدَّةً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ».
267 - وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّاغَانِيُّ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِمَّنْ تَقَدَّمَ، وَلَا فِي عَصْرِنَا هَذَا إِلَّا وَهُوَ مُنْكِرٌ لِمَا أَحْدَثَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رَدِّ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} قَالَ: «يُقْعِدُهُ عَلَى الْعَرْشِ» فَهُوَ عِنْدَنَا جَهْمِيُّ، يُهْجَرُ وَنَحْذِرُ عَنْهُ، فَقَدْ حَدَّثَنَا بِهِ هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} قَالَ: «يُقْعِدُهُ عَلَى الْعَرْشِ» وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ: «يُقْعِدُهُ عَلَى كُرْسِيِّ الرَّبِّ جَلَّ وَعَزَّ» فَقِيلَ لِلْجُرَيْرِيِّ: إِذَا كَانَ عَلَى كُرْسِيِّ الرَّبِّ فَهُوَ مَعَهُ، قَالَ: وَيْحَكُمْ، هَذَا أَقَرُّ لِعَيْنِي فِي الدُّنْيَا، وَقَدْ أَتَى عَلَيَّ نَيِّفٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً مَا عَلِمْتُ أَنَّ أَحَدًا رَدَّ حَدِيثَ مُجَاهِدٍ إِلَّا جَهْمِيُّ، وَقَدْ جَاءَتْ بِهِ الْأَئِمَّةُ فِي الْأَمْصَارِ، وَتَلَقَّتْهُ الْعُلَمَاءُ بِالْقَبُولِ مُنْذُ نَيِّفٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةِ سَنَةٍ، وَبَعْدُ فَإِنِّي لَا أَعْرِفُ هَذَا التِّرْمِذِيَّ، وَلَا أَعْلَمُ أَنِّي رَأَيْتُهُ عِنْدَ مُحَدِّثٍ، فَعَلَيْكُمْ رَحِمَكُمُ اللَّهُ بِالتَّمَسُّكِ بِالسُّنَّةِ وَالِاتِّبَاعِ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ: «لَا أَعْرِفُ هَذَا الْجَهْمِيَّ الْعَجَمِيَّ، لَا نَعْرِفُهُ عِنْدَ مُحَدِّثٍ، وَلَا عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ إِخْوَانِنَا، وَلَا عَلِمْتُ أَحَدًا رَدَّ حَدِيثِ مُجَاهِدٍ» يُقْعِدُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْعَرْشِ، رَوَاهُ الْخَلْقُ عَنِ ابْنِ فُضَيْلٍ عَنْ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَاحْتَمَلَهُ الْمُحْدِثُونَ الثِّقَاتُ، وَحَدَّثُوا بِهِ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ، لَا يَدْفَعُونَ ذَلِكَ، يَتَلَقَّوْنَهُ بِالْقَبُولِ وَالسُّرُورِ بِذَلِكَ، وَأَنَا فِيمَا أَرَى أَنِّي أَعْقِلُ مُنْذُ سَبْعِينَ سَنَةً، وَاللَّهِ مَا أَعْرِفُ أَحَدًا رَدَّهُ، وَلَا يَرُدُّهُ إِلَّا كُلُّ جَهْمِيٍّ مُبْتَدَعٍ خَبِيثٍ
قال الآجري رحمه الله في ["الشريعة" (4/1604)]:
باب ذكر ما خصّ الله عزّ وجلّ به النبي من المقام المحمود القيامة:
وأما حديث مُجاهد (( يقعده معه على العرش )) فقد تلقّاه الشُّيوخ من أهل العلم والنَّقل لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم تلَقّوها بأحسن تلقٍّ، وقبلوها بأحسن قبول، ولم يُنكروها، وأنكروا على من ردَّ حديث مُجاهدٍ إنكارًا شديدًا، وقالوا: من ردَّ حديث مجاهد فهو رجلُ سُوء.
قلت: فمذهبنا - والحمد لله - قبول ما رسمناه في هذه المسألة مما تقدّم ذكرنا له، وقبول حديث مُجاهد، وترك المعارضة والمناظرة في ردِّه، والله الموفق لكُلّ رشادٍ، والمعين عليه.
قال أبو بكر النجاد رحمه الله: فلزِمنا الإنكارُ على من رَدَّ هذه الفضيلة التي قالها العلماء، وتلَقّوها بالقبولِ، فمن رَدَّها فهو من الفرقِ الهالكة.
قال الهروي في تفسيره: وجاء عن ليث عن مجاهد فى قوله عز و جل {عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً} قال: يجلسه العرش، اعلم أن أصحاب الحديث الذين هم نقلة الأخبار وخزنة الآثار اتفّقوا على أن هذا التأويل صحيح، وأن اللَّه عز وجل كان قبل خلقه الأشياء قائما بذاته ثم خلق الاشياء من غير حاجة له إليها بل إظهارا لقدرته وحكمته ليعرف وجوده وتوحيده وكمال علمه وقدرته بظهور أفعاله المتقنة المحكمة، وخلق لنفسه عرشا استوى عليه كما شاء و هو الآن مستو على عرشه كما أخبر عن نفسه وإن لم يكن قبل ذلك مستويا عليه وليس إقعاده محمدا صلى الله عليه وسلم على العرش موجبا له صفة الربّوبيةّ أو مخرجا إيّاه عن صفة العبوديةّ بل هو رفع لمحله وإظهار لشرفه و تفضيل له على غيره من خلقه.
[ فصـلٌ فـــي ذكــرِ مَنْ نقــلَ الإجمــاعَ عَلَــى القــولِ بــأثرِ مجــاهدٍ ]
قولُ أبي معمرٍ إسماعيلَ بنِ إبراهيمَ في حكايةِ الإجماعِ [ توفي 236 هـ ]
قَالَ أَبو معمرٍ –رحمهُ اللهُ تَعَالى :
( سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ جَمَاعَةٍ، وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنَ الْمُحَدِّثِينَ يُنْكِرُهُ )
أبو معمرٍ ثقة ثبْتٌ صاحب سُنَّة من شيوخ البخاري ومسلم وأبي داود.
قولُ أحمَد بن محمدٍ بن حنْبَل [ توفي 241 هـ ]
قَالَ المروذيّ : سألتُ أَبَا عبد اللَّه عَن الأحاديث الَّتِي تَردها الجهميّة فِي الصفاتِ والرؤيةِ والإسراءِ وقصةِ العرشِ، فَصححها أَبُو عبد اللَّه وَقَالَ :
( قدْ تَلَقْتَها الأمّة بالقبولِ تمرُ الأخبارُ كَمَا جَاءت )
وقَالَ ابنُ عُمَيْرٍ : سمعتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ سُئِلَ عَنْ حديثِ مجاهدٍ يقعدُ محمداً عَلَى العرشِ فقالَ: ( قدْ تلقتهُ العلماءُ بالقبولِ، نسلمُ الخبرَ كمَا جاءَ )
قولُ إبراهيمَ الأصبهانيّ [ توفي 266 هـ ]
قَالَ الخلاّلُ في السنّة : وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ الأَصْبَهَانِيُّ :
( هَذَا الْحَدِيثُ حَدَّثَ بِهِ الْعُلَمَاءُ مُنْذُ سِتِّينَ وَمِئَةِ سَنَةٍ وَلاَ يَرُدُّهُ إِلاَّ أَهْلُ الْبِدَعِ ) .
قولُ محمّد بن إسحاقَ الصاغانيّ [ توفي 270 هـ ]
قَالَ الخلاّلُ: قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّاغَانِيُّ :
( لاَ أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِمَّنْ تَقَدَّمَ , وَلاَ فِي عَصْرِنَا هَذَا إِلاَّ وَهُوَ مُنْكِرٌ لِمَا أَحْدَثَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رَدِّ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ , عَنْ لَيْثٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ )
قولُ عليٍّ القنطريّ [ توفي 272 هـ ]
قَالَ الخلاّلُ : قَالَ عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ الْقَنْطَرِيُّ :
( لَقَدْ أَتَى عَلَى أَرْبَعٍ وَثَمَانُونَ سَنَةً، مَا رَأَيْتُ أَحَدًا رَدَّ هَذِهِ الْفَضِيلَةَ إلا جَهْمِيُّ )
قولُ أبي داودَ السجستانيّ [ توفي 275 هـ ]
قَالَ الخلاّلُ : أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ قال:
( مَنْ أَنْكَرَ هَذَا فَهُوَ عِنْدَنَا مُتَّهَمٌ، وَقَالَ: مَا زَالَ النَّاسُ يُحَدِّثُونَ بِهَذَا )
قولُ أبي قلابةَ عبدِ الملكِ الرقاشيّ [ توفي 276 هـ ]
وقَالَ المروذيّ : قَالَ أَبُو قِلَابَةَ : ( لَا يَرُدُّ هَذَا إِلَّا أَهْلُ الْبِدَعِ وَالْجَهْمِيَّةُ )
قولُ الحسنِ بنِ الفضلِ [توفي 280 هـ]
قال أَبُو بَكْرٍ المروذي : سَأَلْتُ الْحَسَنَ بْنَ الْفَضْلِ عَنْ حَدِيثِ مُجَاهِدٍ فَقَالَ:
( مَنْ رَدَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ ضَالٌّ ) .
قَالَ: ( مَا أَدْرَكْنَا أَحَدًا يَرُدُّهُ إِلَّا مَنْ فِي قَلْبِهِ بَلِيَّةٌ، يُهْجَرْ وَلَا يُكَلَّمُ )
قولُ إبراهيمَ الحربيّ [ توفي 285 هـ ]
وقَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ ، وَذَكَرَ حَدِيثَ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، فَجَعَلَ يَقُولُ:
( هَذَا حَدَّثَ بِهِ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمَجْلِسِ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ فَكَمْ تَرَى كَانَ فِي الْمَجْلِسِ، عِشْرِينَ أَلْفًا، فَتَرَى لَوْ أَنَّ إِنْسَانًا قَامَ إِلَى عُثْمَانَ، فَقَالَ : لَا تُحَدِّثْ بِهَذَا الْحَدِيثِ، أَوْ أَظْهَرَ إِنْكَارَهُ، تَرَاهُ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ ثَمَّ إِلَّا وَقَدْ قُتِلَ )
قولُ محمّد بنِ يونسَ البصريّ [ توفي 286 هـ ]
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْبَصْرِيُّ:
( مَا سَمِعْنَا أَحَدًا مِنْ شُيُوخِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ ذَكَرَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ إِلَّا بِالْقَبُولِ لَهَا، وَيَحْتَجُّونَ بِهَا عَلَى الْجَهْمِيَّةِ، وَيَقْمَعُونَهُمْ بِهَا، وَيُكَفِّرُونَهُمْ، وَلَا يَرُدُّهَا إِلَّا رَجُلٌ مُعَطَّلٍ جَهْمِيُّ، فَمَنْ رَدَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ، أَوْ طَعَنَ فِيهَا فَلَا يُكَلَّمُ، وَإِنْ مَاتَ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ )
قولُ عبدِ اللهِ بنِ أحمدَ بنِ حنبلٍ [ توفي 290 هـ ]
وقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بن أحمد : ( سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ جَمَاعَةٍ، وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنَ الْمُحَدِّثِينَ يُنْكِرُهُ، وَكَانَ عِنْدَنَا فِي وَقْتٍ مَا سَمِعْنَاهُ مِنَ الْمَشَايِخِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ إِنَّمَا تُنْكِرُهُ الْجَهْمِيَّةُ، وَأَنَا مُنْكَرٌ عَلَى كُلِّ مَنْ رَدَّ هَذَا الْحَدِيثَ ) .
قولُ أبي بكرٍ النجّاد [ توفي 348 هـ ]
ذَكَرَ أَبُو عبد اللَّه بْن بطة فِي كتاب الإبانة، قَالَ أَبُو بكر أحمد بْن سلمان النجاد:
( لو أن حالفا حلف بالطلاق ثلاثا أن اللَّه تَعَالَى: يقعد محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معه عَلَى العرش واستفتاني فِي يمينه لقلت لَهُ: صدقت فِي قولك وبررت فِي يمينك، وامرأتك عَلَى حالها، فهذا مذهبنا وديننا واعتقادنا، وعليه نشأنا، ونحن عَلَيْهِ إِلَى أن نموت إن شاء اللَّه فلزمنا الإنكار عَلَى من رد هَذِهِ الفضيلة الَّتِي قالتها العلماء وتلقوها بالقبول، فمن ردها فهو من الفرق الهالكة ) .
قولُ أبي بكرٍ الآجُرِيّ [ توفي 360 هـ ]
قَالَ الآجريّ في الشريعةِ : " حديث مجاهد في فضيلة النبي صلى الله عليه وسلم ، وتفسيره لهذه الآية : أنه يقعده على العرش ، فقد تلقاها الشيوخ من أهل العلم والنقل لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، تلقوها بأحسن تلق ، وقبلوها بأحسن قبول ، ولم ينكروها ، وأنكروا على من رد حديث مجاهد إنكارا شديدا " اهــ
قولُ أَبي عبدِ اللهِ ابنِ بطّة [ توفي 387 هـ ]
قَالَ في الإبانةِ الصُغْرَى : " نحنُ الآنَ ذاكرِونَ شرحَ السُّنَّةِ، ووصفَهَا، وما هي في نفسِهَا،
وما الذي إذا تمسَّكَ بهِ العبدُ ودان اللهَ به؛ سُميّ بها، واستحقَّ الدُّخُولَ في جمُلةِ أهلِها.
وما إن خالفَهُ أو شيئًا منهُ؛ دخلَ في جمُلةِ ما عِبناهُ، وذكرْنَاهُ، وحذَّرْنا مِنهُ مِن أهلِ البدعِ والزَّيغِ مِمّا أجمعَ على شرحِنَا له أهلُ الإسلامِ، وسائرُ الأمّةِ مُذ بعثَ اللهُ نبيَّهُ صلى الله عليه وسلم إلى وقتنِا هذا . فأوَّلُ ما نبدَأ بذكرِهِ مِن ذلك : ..
ويَجلِسُ - صلى الله عليه وسلم- مع رَبِّهِ على العرشِ، وليسَ هذا لأحَدٍ غيرِه ..هكذا فسَّرَهُ مجُاهدٌ فيما رواه محمدُ بنُ فُضيلٍ عن ليثٍ عنه" اهـ
ومن أحسن ما أنشد أبي الحسن الدارقطني في شعره :
حديث الشفاعة عن أحمد *** إلى أحمد المصطفى مسنده
وجاء حديث باقعاده *** على العرش أيضا فلا تجحده
أمروا الحديث على وجهه *** ولا تدخلوا فيه ما يفسده
ولا تنكروا أنه قاعد *** ولا تنكروا أنه يُقعده...
والحمد لله رب العالمين ناصر حزبه الموحدين ولو بعد حين
